فخر الدين الرازي

337

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ خبر ] مبتدأ تقديره هو الرحمن ، ثم أتى بجملة بعد جملة فقال : عَلَّمَ الْقُرْآنَ والأول أصح ، وعلى القول الضعيف الرحمن آية . المسألة الثالثة : قوله تعالى : عَلَّمَ الْقُرْآنَ لا بد له من مفعول ثان فما ذلك ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : قيل : علم بمعنى جعله علامة أي هو علامة النبوة ومعجزة وهذا يناسب قوله تعالى : وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [ القمر : 1 ] على ما بينا أنه ذكر في أول تلك السورة معجزة من باب الهيئة وهو أنه شق ما لا يشقه أحد غيره ، وذكر في هذه السورة معجزة من باب الرحمة ، وهو أنه نشر من العلوم ما لا ينشره غيره ، وهو ما في القرآن ، وعلى هذا الوجه من الجواب ففيه احتمال آخر ، وهو أنه جعله بحيث يعلم فهو كقوله : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ * [ القمر : 17 ] والتعليم على هذا الوجه مجاز . يقال : إن أنفق على متعلم وأعطى أجرة على تعليمة علمه وثانيهما : أن المفعول الثاني لا بد منه وهو جبريل وغيره من الملائكة علمهم القرآن ثم أنزله على عبده كما قال تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ [ الشعراء : 193 ، 194 ] ويحتمل أن يقال : المفعول الثاني هو محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، وفيه إشارة إلى أن القرآن كلام اللَّه تعالى لا كلام محمد ، وفيه وجه ثالث : وهو أنه تعالى علم القرآن الإنسان ، وهذا أقرب ليكون الإنعام أتم والسورة مفتتحة لبيان الأعم من النعم الشاملة . المسألة الرابعة : لم ترك المفعول الثاني ؟ نقول : إشارة إلى أن النعمة في تعميم التعليم لا في تعليم شخص دون شخص ، يقال : فلان يطعم الطعام إشارة إلى كرمه ، ولا يبين من يطعمه . المسألة الخامسة : ما معنى التعليم ؟ نقوله على قولنا له مفعول ثان إفادة العلم به ، فإن قيل : كيف يفهم قوله تعالى : عَلَّمَ الْقُرْآنَ مع قوله : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [ آل عمران : 7 ] نقول : من لا يقف عند قوله : إِلَّا اللَّهُ ويعطف : الرَّاسِخُونَ على اللَّه عطف المفرد على المفرد لا يرد عليه هذا ، ومن يقف ويعطف قوله تعالى : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ على قوله : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ عطف جملة على جملة يقول : إنه تعالى علم القرآن ، لأن من علم كتابا عظيما ووقع على ما فيه ، وفيه مواضع مشكلة فعلم ما في تلك المواضع بقدر الإمكان ، يقال : فلان يعلم الكتاب الفلاني ويتقنه بقدر وسعه ، وإن كان لم يعلم مراد صاحب الكتاب بيقين ، وكذلك القول في تعليم القرآن ، أو تقول : لا يعلم تأويله إلا اللَّه وأما غيره فلا يعلم من تلقاء نفسه ما لم يعلم ، فيكون إشارة إلى أن كتاب اللَّه تعالى ليس كغيره من الكتب التي يستخرج ما فيها بقوة الذكاء والعلوم . ثم قال تعالى : خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ وفيه مسائل : المسألة الأولى : في وجه الترتيب وهو على وجهين أحدهما : ما ذكرنا أن المراد من علم علم الملائكة وتعليمه الملائكة قبل خلق الإنسان ، فعلم تعالى ملائكته المقربين القرآن حقيقة / يدل عليه قوله تعالى : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ثم قال تعالى : تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الواقعة : 77 - 80 ] إشارة إلى تنزيله بعد تعليمه ، وعلى هذا ففي النظم حسن زائد وذلك من حيث إنه تعالى ذكر أمورا علوية وأمورا سفلية ، وكل علوي قابله بسفلي ، وقدم العلويات على السفليات إلى آخر الآيات ، فقال : عَلَّمَ الْقُرْآنَ إشارة إلى تعليم العلويين ، وقال : عَلَّمَهُ الْبَيانَ إشارة إلى تعليم السفليين ، وقال : الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [ الرحمن : 5 ] في العلويات وقال في مقابلتهما من السفليات : وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ [ الرحمن : 6 ] .